تأثير إدمان الأم على أطفالها

تأثير إدمان الأم على أطفالها: الجرح الذي يبدأ قبل الكلام ويستمر بعد الشفاء

طفلة في الخامسة تسحب البطانية بهدوء على أمها النائمة في منتصف النهار، ثم تذهب لتصنع الشطائر لأخيها الرضيع. تأثير إدمان الأم على أطفالها يبدأ من هذا المشهد بالضبط، حين يتبادل الطفل والأم أدوارهما دون أن يلاحظ أحد. لا صراخ ولا ضرب، فقط أم غائبة وهي حاضرة، وطفلة تكبر قبل أوانها بعشر سنوات.

تأثير إدمان الأم على أطفالها يمتد من الحمل إلى المراهقة. فالمادة تعبر المشيمة وتصل إلى الجنين، ثم تسرق من الرضيع الاستجابة العاطفية التي يبنى عليها الأمان. وفي الطفولة يظهر القلق وتأخر اللغة وتبادل الأدوار. وفي المراهقة يرتفع خطر الاكتئاب والتعاطي. لكن هذا الأثر قابل للتراجع كلما بدأ علاج الأم مبكرا وشمل الأطفال معها.

لماذا يختلف تأثير إدمان الأم عن إدمان الأب؟

الأم في معظم بيوتنا هي المصدر الأول للأمان اليومي والحضور الدائم. فهي التي تطعم وتنام بجانب الطفل وتقرأ ملامحه قبل أن يتكلم. وبناء على ذلك، حين تغيب الأم كيميائيا، يغيب الأساس الذي يبنى عليه كل شيء آخر.

وقد شرحنا في مقال تأثير إدمان الأب للشبو على أطفاله كيف يخلق غياب الأب خوفا وفوضى. أما غياب الأم فيخلق شيئا أعمق: شعورا بأن العالم نفسه غير آمن. علاوة على ذلك، يبدأ أثر الأم قبل الولادة بأشهر، وهو ما لا ينطبق على الأب.

وتصف منظمة الصحة العالمية السنوات الثلاث الأولى من العمر بأنها نافذة حاسمة لنمو الدماغ. وفي هذه النافذة تحديدا، يحتاج الطفل إلى استجابة متكررة ومتوقعة. والأم تحت تأثير المادة تستجيب اليوم وتغيب غدا، وهذا التذبذب أخطر على الطفل من الغياب الكامل أحيانا.

ماذا يحدث في جسد الطفل ودماغه؟

الطفل الذي يعيش مع أم مدمنة يعيش في حالة تأهب دائم لا تنطفئ. فهو لا يعرف هل ستستيقظ أمه غاضبة أم باكية أم لن تستيقظ أصلا. ونتيجة لذلك، يرتفع هرمون التوتر Cortisol في دمه باستمرار، ويبقى مرتفعا حتى في لحظات الهدوء.

وتشير دراسات منشورة عبر PubMed إلى أن هذا الارتفاع المزمن يؤثر سلبا على نمو مناطق الذاكرة وتنظيم الانفعال في الدماغ. لكن الأمر لا يتوقف هنا. فالطفل يتعلم أيضا أن مشاعره لا تهم، لأن أحدا لا يستجيب لها، فيتوقف عن التعبير عنها تدريجيا.

تأثير إدمان الأم على أطفالها
تأثير إدمان الأم على أطفالها

قد يهمك

مدمن المخدرات والزواج؛ ماذا تفعلين عندما يرفض المدمن الحصول على المساعدة

مصحه علاج ادمان حريمي — لماذا تحتاج المرأة برنامجا مختلفا تماما؟

الأثر يبدأ في الرحم

معظم المواد تعبر المشيمة بسهولة خلال دقائق من التعاطي. ويوضح مقال انسحاب الرضيع من الآيس كيف يولد بعض الأطفال وهم يعانون أعراض انسحاب حقيقية: بكاء لا يتوقف، ورجفة، وصعوبة في الرضاعة. وفي المقابل، تظهر عند أطفال آخرين مشكلات في الوزن والنمو والتنفس تستمر شهورا بعد الولادة.

الرضاعة وما بعدها

المادة تصل إلى الرضيع عبر الحليب أيضا، وبتركيزات أعلى مما تتوقعه كثير من الأمهات. ويشرح مقال تأثير الشبو على الرضاعة الطبيعية لماذا يرفض بعض الرضع الثدي فجأة، ولماذا يبدو بعضهم خاملا بشكل غير طبيعي. والأخطر من المادة نفسها هو الأم التي تنام ساعات لا تسمع فيها بكاء رضيعها.

الطفل يقرأ الوجه لا الكلمات

قبل أن يفهم الطفل معنى المخدر، يفهم أن وجه أمه تغير. عينان زائغتان، أو ابتسامة لا تصل إلى العين، أو صوت أبطأ من المعتاد. وبناء على ذلك، يتعلم الطفل الصغير أن يراقب الوجه ليتوقع شكل اليوم. وهذه المراقبة الدائمة هي أول شكل من أشكال القلق المزمن عنده. وتظهر لاحقا في صورة طفل لا يستطيع اللعب دون أن يتفقد أمه كل بضع دقائق.

ما الذي يقوله الأطفال حين يكبرون؟

ريم، ثمانية وعشرون عاما، تتذكر أنها كانت تعد أقراص أمها كل صباح لتعرف هل اليوم جيد أم سيئ. كانت في التاسعة حين تعلمت هذا العد. وكريم، خمسة وثلاثون عاما، لا يزال يستيقظ فزعا إذا سمع صوت سقوط شيء في البيت. أما دينا، فتقول إن أصعب ما عاشته لم يكن إدمان أمها، بل صمت الجميع عنه.

هذه الشهادات الثلاث تكشف الوجه الخفي للمشكلة. فالطفل لا يتأذى من المادة وحدها، بل من السر الذي يجبر على حمله. وفي المقابل، تنبه الهيئة الأمريكية لخدمات الصحة النفسية وتعاطي المواد SAMHSA إلى أهمية كسر هذا الصمت. فالحديث بلغة تناسب عمر الطفل يخفف الأثر النفسي بشكل ملموس. وهذا يقودنا لنقطة أهم: الأثر يختلف باختلاف العمر.

تأثير إدمان الأم على أطفالها في كل مرحلة عمرية

تأثير إدمان الأم على أطفالها ليس واحدا في كل الأعمار. فالرضيع يتأذى بطريقة، والمراهق بطريقة أخرى تماما. والجدول التالي يلخص ما يظهر على الطفل في كل مرحلة، وما يحتاجه من المحيطين به.

المرحلة ما يظهر على الطفل ما يحتاجه الآن
الحمل والولادة نقص وزن، أعراض انسحاب، صعوبة رضاعة متابعة طبية للأم والجنين معا
الرضاعة حتى سنتين بكاء مفرط أو خمول، تأخر في الاستجابة شخص بالغ ثابت يستجيب له يوميا
ما قبل المدرسة تأخر لغوي، تعلق مفرط أو انسحاب روتين ثابت ولغة بسيطة عن مرض ماما
سن المدرسة تبادل الأدوار، تراجع دراسي، كتمان إعفاؤه من دور الكبير وإعادته طفلا
المراهقة غضب، اكتئاب، خطر التعاطي حقيقة واضحة ودعم نفسي مستقل

لاحظ العمود الأخير جيدا قبل أي قرار. ففي كل مرحلة، ما يحتاجه الطفل ليس عزله عن أمه، بل وجود بالغ ثابت بجانبه حتى تتعافى الأم وتعود.

علامات تراها المعلمة قبل الأسرة

كثيرا ما تكون المدرسة أول من يلاحظ شيئا غريبا. طفل ينام على المقعد لأنه سهر يرعى إخوته. أو طفلة تتوتر بشدة إذا تأخر من يأتي لاصطحابها، لأنها تعرف ما يعنيه التأخر. علاوة على ذلك، يظهر تراجع مفاجئ في الدرجات عند طفل كان متفوقا. وحين تسأل المعلمة، تأتي الإجابة جاهزة: كل شيء بخير في البيت.

الطفل الذي يصبح أما لأمه

تبادل الأدوار هو أكثر آثار إدمان الأم خفاء وأشدها ضررا على المدى الطويل. فالطفل الذي يطبخ ويرعى إخوته ويخفي الزجاجات يبدو ناضجا ومسؤولا، ويمدحه الجميع. لكنه في الحقيقة يفقد طفولته، ويتعلم أن قيمته مرتبطة بإنقاذ الآخرين. وبناء على ذلك، يكبر ليختار علاقات يلعب فيها الدور نفسه.

الوصمة التي يحملها وحده

يخاف الطفل أن يعرف زملاؤه، فيتوقف عن دعوة أصدقائه إلى البيت. ويخترع أعذارا صغيرة تكبر معه عاما بعد عام. ويكذب على المعلمة عن سبب غياب أمه من اجتماع الآباء. ويوضح مقال أعراض الإدمان عند النساء الخفية كيف تتقن الأم الإخفاء. وكيف يتحول الأطفال دون قصد إلى شركاء في هذا الإخفاء.

تعافي الأم واستعادة أطفالها
تعافي الأم واستعادة أطفالها

كيف يتراجع تأثير إدمان الأم على أطفالها؟

الخبر الذي لا يقوله كثيرون بوضوح كاف: تأثير إدمان الأم على أطفالها قابل للتراجع إلى حد كبير. فدماغ الطفل مرن، وقدرته على التعافي تفوق قدرة البالغين. لكن هذا التراجع لا يحدث تلقائيا، بل يحتاج ثلاثة أشياء تحدث معا.

أولا: علاج الأم دون أن تخسر أطفالها

الخوف من فقدان الأطفال هو أكبر ما يمنع الأم من طلب المساعدة. فهي تظن أن الاعتراف يعني الحضانة، والصمت يعني الأمان. ويشرح مقال علاج ادمان النساء بدون فضيحة كيف يجري البرنامج بسرية كاملة وبفريق نسائي. ويحافظ على تواصل الأم بأطفالها خلال العلاج كلما سمحت الحالة.

ثانيا: بالغ ثابت في حياة الطفل

جدة، أو خالة، أو أب حاضر فعلا لا شكليا. المهم أن يكون شخصا واحدا يعرف الطفل أنه سيستيقظ ليجده كل صباح. وينبه المعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات NIDA إلى أن وجود بالغ واحد مستقر يقلل الأثر طويل المدى بدرجة كبيرة. ويبقى هذا صحيحا حتى لو استمرت الأم في العلاج شهورا.

ثالثا: الأسرة كلها في الجلسة

جلسات الإرشاد الأسري المنتظمة تعلم الأب والأقارب كيف يتحدثون مع الطفل عن مرض أمه بصدق يناسب عمره. وتعلم الأم المتعافية كيف تعود إلى دورها تدريجيا دون أن تغرق في الذنب. فالذنب المفرط يدفع الأم أحيانا إلى الانتكاس أكثر مما يدفعها إلى الثبات.

ماذا عن الكحول والأدوية الموصوفة؟

الأثر لا يقتصر على المخدرات الصلبة وحدها. فالأم التي تشرب سرا كل مساء، أو تتناول مهدئات بجرعات متزايدة، تغيب عن أطفالها بالطريقة نفسها. ويوضح مقال إدمان الكحول عند النساء كيف يمر هذا النوع من الإدمان بصمت داخل بيوت تبدو مثالية من الخارج.

العودة إلى دور الأم خطوة بخطوة

الأم المتعافية لا تعود فجأة إلى كل شيء دفعة واحدة. بل تبدأ بروتين صغير ثابت: وجبة الإفطار معهم، أو قراءة قصة قبل النوم. ومع الوقت، يتعلم الطفل أن الوعد الصغير ينفذ، فيبدأ بناء الثقة من جديد. وفي المقابل، يعفى الطفل الأكبر تدريجيا من الأدوار التي حملها، حتى لا يشعر بأن تعافي أمه أخذ منه مكانته.

أسئلة شائعة حول تأثير إدمان الأم على أطفالها

هل يولد الطفل مدمنا إذا كانت أمه تتعاطى؟
لا يولد مدمنا، لكنه قد يولد بأعراض انسحاب واعتماد جسدي مؤقت يحتاج رعاية طبية في الأيام الأولى.

هل يجب إبعاد الأطفال عن الأم أثناء العلاج؟
ليس بالضرورة. الأفضل غالبا هو الحفاظ على التواصل المنظم مع وجود بالغ ثابت يرعاهم في غيابها.

هل يرث الأطفال الإدمان؟
يوجد استعداد وراثي جزئي، لكن البيئة والدعم النفسي يلعبان دورا أكبر في تحديد المصير. والوعي المبكر يقلب الكفة.

ماذا أقول لطفل في السادسة؟
ماما مريضة والأطباء يساعدونها، وهذا ليس ذنبك، وأنا هنا معك. جملة واحدة بسيطة تكفي وتتكرر.

هل يمكن أن يتعافى الطفل كليا؟
نعم عند معظم الأطفال، خاصة إذا بدأ التدخل مبكرا ووجدوا بالغا ثابتا ودعما نفسيا مناسبا لعمرهم.

متى يحتاج الطفل نفسه إلى معالج؟
عند ظهور كوابيس متكررة، أو تراجع دراسي حاد، أو عدوانية، أو انسحاب تام عن الأصدقاء لأكثر من شهر.

الخاتمة

تأثير إدمان الأم على أطفالها حقيقي وعميق، لكنه ليس حكما نهائيا على أحد. فالأم التي تتعافى لا تعوض ما فات فقط، بل تمنح أطفالها درسا لا يعلمه غيرها: أن السقوط لا يعني النهاية.

ريم التي كانت تعد أقراص أمها كل صباح تقول لنا اليوم إن أمها متعافية منذ ست سنوات. وإن أجمل ما في الأمر ليس التعافي نفسه. بل أنها استعادت أما تسألها كيف حالك اليوم، بدلا من أن تسأل هي.

وإن كنت أما تقرئين هذا وأنت تخشين أن يكون الوقت قد فات، فاعلمي أن أطفالك ينتظرون عودتك لا كمالك. فريق مستشفى فيوتشر النسائي يشرح لك كيف تبدئين دون أن تبتعدي عنهم. تجدينه على الرقم 00201029275503 أو الموقع www.thefutureeg.com، لأن أول يوم في التعافي هو أول يوم يستعيدون فيه أمهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top
This site is registered on wpml.org as a development site. Switch to a production site key to remove this banner.